وراء كل إدمان إنسان باحث عن جرعة مؤقتة من السيرتونين والاندورفين، وليس ذلك فحسب لكن إنسان باحث عن إنسانيّته وهويّته وقيمته وغرض ومعنى حياته وشبع وارتواء لكل جوع وظمأ روحي ونفسي وأي رجاء وأمل في يأسه وكآبته وحزنه وفشله وإحباطه ودائرة تمركزه حول ذاته وحول الظروف المحيطة به، ولكن هل هذه الجرعات والمخدرات التي يُدمِنها تجعله يجد ما يبحث عنه؟ وهل تشفي إضطراباته النفسية والروحية؟ وهل لديها حل دائم ومستمر لمشاكله وأزماته؟
للأسف، خدعة كبيرة وأكذوبة منتشرة أن تستسلم للمخدّرات والجنس وإدمان الأفلام الإباحية والتدخين والكحوليات وتظن بأن فيها شفاء وحل لمعاناتك وآلامك وضيقك، ولكنها فقط تُشخّص كأفعال وتصرفات تهدف للهروب من الواقع وإستحضار واقع جديد للحظات ودقائق قصيرة قد يكون مناقض لواقعك الحياتي ولكنك حتماً ستعود لواقعك الأصلي وحياتك ومشاكلك وإضطراباتك وأزماتك بعد انتهاء تأثيره ومهما ازدادت جرعات ما تتناوله وتفعله فهي غير قادرة على تغيير واقعك على الدوام بل وغير قادرة على تغييرك، فقبل أن تحتاج وتسعى لتغيير واقعك ربما عليك أن تدرك بأنك بحاجة للتغيير قبل تغيير واقعك وظروفك ومن هم حولك!
ستظل مُتعَب ومُنهَك ومُرهَق ومُستهلَك وتائه وشارد، لا تملك التفكير العقلاني النقدي أو ملكة إتخاذ قرارات حاسمة أو السعي نحو النجاح باجتهاد وأمانة وتركيز أو التعلّق بالناس أو رؤية الواقع بوعي وإدراك وفهم حقيقي أو رؤية معنى وغرض لحياتك ورسالة تقدمها للبشرية وعمل شريف كمصدر رزق مشروع تقدر من خلاله العيش انت واسرتك، فاحترس من الإدمان وعواقبه ونتائجه الصحية والاجتماعية والنفسية والروحية، وخذ لنفسك وقفة تأمل واعتراف بالذنب وسعي وجهد نحو التغيير والشفاء والتعافي على أسس روحية وعلمية اختبرها من هم حولك وساعدتهم في التعافي ومعرفة معنى الحياة وغرض الوجود واختبار الشفاء والرجاء والعزاء.
ربما بدأت رحلة الإدمان بكذبة وخدعة ومفاهيم مغلوطة، ولن تنهي هذه الرحلة وتتركها وتغيّر مسار حياتك سوى بمفاهيم صحيحة وحقائق واختبارات حياتية ونفسية و روحية تغيّر مجرى حياتك وتتحوّل بعد ذلك إلى أفعال وقرارات صحيحة لترك كل غش وضلال ووهم و زيف وسراب والتعافي مما أصابك من أي اضرار نتجت عن أي إدمان.
ابدأ رحلة التعافي بالاعتراف والتوبة، ثم اشرح حالتك لمختص ومتعافي ناضج، وتابع مع طبيب نفسي ومرشد روحي، وافهم لماذا انت هنا ولماذا تحيا واين ستذهب بعد الموت وهل هناك معنى وغرض لحياتك و وجودك، اقرأ واستمع وشاهد قصص من اختبروا التعافي، ابدأ في تقليل الكميّات والجرعات حتى تصل للتوقّف قريباً تجنّباً لأعراض الإنسحاب، ابدأ في الخروج خارج دائرة ذاتك والبحث عن كل إنسان مُـتعَب ومريض ومحتاج وقدّم الخير والرحمة والعون له، مارس رياضة مُفضّلة لديك يومياً، اشغل وقتك واعمل وادرس ونمّي قدراتك ومهاراتك ودراساتك وشهاداتك، انضم لمجموعة مهذّبة محترمة مؤمنة بالتعافي ولا تقودك للرجوع للوراء مرة أخرى وتُبنى وتُشفى من خلالها، اهتم بكيانك الإنساني ككل وأولاً روحك بممارسة التدريبات الروحية وقراءة النصوص المقدسة، ثم ثانياً نفسك ومتابعة حالتك مع المختصين والاستماع لنصائحهم والالتزام بالنظام العلاجي، وثالثاً واخيراً بجسدك وخاصة التدرّب والتدرّج في الاتزان والانضباط وتناول الأكل الصحي الطبيعي وخاصة الخضروات والفاكهة والبروتين الحيواني، ولا تنسى إضرام مواهبك ومهاراتك كالموسيقى والقراءة والكتابة والشعر والرياضة والاخراج والمسرح والخدمة الاجتماعية ..إلخ
لقد خلقك الله، فلست ههنا بالصدفة، وخلقك لعمل وغرض معيّن، ولم ولن يتركك بل هو بالقرب منك ومعك لا تخجل أن تقترب إليه وتخاطبه وتعرفه، ولن تنتهي حياتك عند الموت بل هناك حياة أبدية بعد الموت ستحيا فيها معه إذا آمنت به وعشت معه وتبعته من قلبك واحببته من كل نفسك وفكرك وقدرتك، ولا تنسى أن تحب قريبك كنفسك، انت مخلوق فرد فريد محبوب وخُلِقت على صورة الله فعُد لله من بُعدك وتيهانك وغفلتك وارجع لأصلك واعرف كيانك واستخدم عقلك وضميرك وحريتك وإرادتك، لا ترضى ولا تقبل أن تكون حيواناً غير عاقلاً بعد اليوم!