لنا في رواية سفر التكوين التوراتية دروس هامة عملية عن
الزواج وبالأخص هذا السؤال المتداول المنتشر "لماذا نتزوج؟"
ففي الاصحاح الأول يقول الله: "نعمل الإنسان على
صورتنا كشبهنا" وأحد جوانب صورة الله التي انطبعت فينا هي اننا كائنات
علاقاتية كالله في ثالوثه منذ الأزل في ترابط وحب و وحدة بين الأقانيم، لذا فأول
درس ورسالة من هذا الاصحاح هي اننا في حاجة لعلاقات سوية سليمة وتشارك وحب وتواصل
وتكامل مع الآخرين، ثم قال الله بعد ذلك في ذات الإصحاح عن سبب وغرض وجودنا
والعلاقات: "اثمروا واكثروا واملأوا الارض، واخضعوها، وتسلّطوا.." وهنا
رسالة ودرس هام بأننا خُلِقنا لعمل وغرض وهدف وإرسالية للإثمار والبناء والتعمير
والتكاثر وايضاً للتسلّط والسيطرة ولن تتحقق هذه الاغراض والوصايا إلا بعلاقات
صحيحة مقدسة وخاصة الزواج، ثم يأخذنا الوحي للإصحاح الثاني لإيضاح وتفسير الإصحاح
الأول بالتفصيل، حيث نرى الله يضع آدم في الجنة ليعملها ويحفظها بل ويطيع الله
ويتعلّق به، وهناك رأى الله وقال: "ليس جيداً أن يكون آدم وحده فأصنع له
معيناً نظيره" وهنا درس في غاية الأهمية وهو تحقيقاً لكوننا خلقنا كائنات
علائقية وبما أن لنا غرض وعمل في وجودنا على الأرض فلابد من مُعين نظيرنا وهو
المرأة والانثى أي حواء أم كل حي وبذلك يتحقّق ايضاً التكاثر والإثمار والتعاون
والتشارك وتبادل المشاعر والافكار ولهذا عمل الله الزواج. وخُلِقَت حواء بطريقة
فريدة وعجيبة كآدم ايضاً من تراب الأرض ونفخة الحياة في أنفه، عندما أوقع الله
سُبات على آدم وأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً وبنى الله من هذه الضلع
امرأة واحضرها إلى آدم، وهنا درس لابد أن نعيه ونحياه وهو أن المرأة التي تتعامل
معها وبالأخص زوجتك هي عظم من عظامك ولحم من لحمك ودُعيَت امرأة لأنها من امرءٍ
أُخِذَت، فلا تتميّز عنها في شيء ولا تتميّز عنك في شيء فكلنا كائنات مخلوقة ولكن
بطريقة فريدة وعجيبة والفضل كله يرجع للخالق المُبدِع الذي عملنا على صورته لمهمة
ورسالة عجيبة للإثمار والتسلّط والإبداع والمشاركة والعمل والعلاقات الرأسية
للإتصال به والأفقية للإتصال بالبشر حولنا. وعندما تعي روعة خلق الله للمرأة وحواء
ستحترمها وتقدّرها وتعرف بأنها على صورة الله وإنسان مثلك وهي تُكمّلك وتعاونك وتشاركك
فلا تبخل عليها بحب حقيقي ومشاعر صحيحة واحترام متبادل ولاسيما زوجتك التي ستشاركك
حياتك بأكملها فقدّم لها حب حقيقي عملي غير مشروط، ثم يختم الوحي الإصحاح الثاني بأكثر
آية وضوحاً حول مفهوم الزواج في العدد الرابع والعشرون وهي: "لذلك يترك الرجل
أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً" يا لروعة هذه الأقوال
الإلهية، فقد تم تكرارها في الكتاب المقدس أكثر من مرة في العهدين، ويا لأهميتها في
التطبيق العملي لمفهوم الزواج المسيحي الحقيقي، فلكي تلتصق عليك أن تترك، وعندما
تلتصق ستتحد، ففي الزواج رجل وامرأة إلتصقا ببعضهما البعض بعدما تركا التصاقهما
وارتباطها بالأهل ثم صارا جسداً واحداً، والإلتصاق يأتي بمعنى "الغراء"
اللاصق فلا يمكن الإنفصال أو الإبتعاد كي لا يتمزّق الجسد أو أحد اعضاء الجسد، ففي
الزواج نترك الاتصال العاطفي الاعتمادي على الأهل ونلتصق كل رجل بامرأته عاطفياً
وإرادياً فيتكوّن الجسد الواحد الذي يحتفظ بخصوصياته وأسراره لنفسه غير معتمداً
على الآخرين كي لا يتمزّق بسهولة بل في هذا الجسد قدرة على الاحتواء والتفاهم
والقبول والالتزام بعهد الزواج والحب الغير مشروط والغفران ليستمر في سلام وأمان
ويزدهر فيه الحب والعطاء ثم الإثمار بالمشاركة واحترام كل واحد لدوره وتقدير كل
واحد لدور الآخر. ولكن لا يعني الترك هنا ألا تنسى وصية الله أن تكرم أباك وأمك
طوال أيام حياتك بل تستقل ببيتك والجسد الواحد عن الاعتماد عليهم تجنباً للتداخل
في الخصوصيات والأسرار وحفاظاً على وحدة البيت والجسد الواحد المقدس.
إذا فهمنا هذه المعاني والمفاهيم بإستنارة روح الله من
خلال كلمته التي تنير وتجدّد أذهاننا ستتغيّر مفاهيمنا لمفاهيم كتابية صحيحة رائعة
تقودنا نحو زواج ناجح وحياة بمشيئة الله لتمجيد الله بقوة الله.
للحديث بقية .. يُتبَع.