كثيراً ما غنّوا وكتبوا وقالوا عن الحب ولكن
قليلاً ما عاشوه بل وايضاً لم يختبروه.
اتذكّر هذه الجملة كتبتها في مذكراتي بعد
إلقاء محاضرة قصيرة لأصدقائي المُلحدين عن "معنى الحياة" وقام أحدهم
يصرخ في وجهي حتى وصل به الأمر إلى السخرية من المحبّة والحب وإله المحبة والآيات
والأقوال والترانيم التي تدّعي ذلك ولما سألته بعد المحاضرة عن سبب هذا الصراخ
والسخرية فأجابني بأن السبب الحقيقي وراء ذلك هو عدم رؤية ذلك بشكل حقيقي جذري في
المؤمنين والمسيحيين. وهنا أكتب هذا المقال حتى نصل معاً لأهم سؤال عن الحب في
وجهة نظري وهو: هل في الحب قوة؟
أحياناً يصفون المُحِب بالأعمى أو بالميّت
أحياناً، ولم يبرئونه من الضعف في أقوالهم وكتاباتهم وأغانيهم، وحتى اليوم وانت في
الشوارع وتشاهد أفلام السينما لابد أنك سترى بأن لغة العنف والشتيمة والتخوين
والصوت العالي هي الأقوى لديهم حتى تلاشت المباديء والاخلاق الرفيعة ولغة الاعتذار
والمسامحة والغفران والحب الحقيقي. ولكن ما هو الحب الحقيقي؟
الحب الحقيقي هو الحب الذي له مرجعية حقيقية،
بل والحب الذي له أدلّة واقعية تاريخية. الحب، كما تعرفون، له أنواع كثيرة، كحب
الشهوة والاصدقاء والعائلة وأعظمهم حب الله، ولكن هل لحب الله مرجعية وحقيقية
واقعية وأدلة نصية؟ نعم، بالتأكيد توجد الكثير من الأدلة النصية والواقعية
والاختبارية التي نلمسها ونعاينها ونطّلع عليها اليوم عن الحب الإلهي. وما تتفرّد
به مسيحيّتي هو الإيمان بالإله المُحب في طبيعته، فليس الحب فيه مجرّد صفة بل هو
طبيعته، وهذا ما قاله الرسول والرائي يوحنا في رسائله بالكتاب المقدس عن الله:
الله محبة، ولم يكتفي بذلك بل فاجئنا وشجّعنا بأن هذا الحب الممنوح لنا من الله
لابد أن نحيا به مع الآخرين ايضاً، ولا ننسى ايضاً ما قاله المسيح: تحب قريبك
كنفسك، بعدما قال: تحب الرب إلهك من كل قلبك ونفسك وقدرتك، فالحب الإلهي في
إيماننا المسيحي موجود منذ الأزل في طبيعة الله في الثالوث في الوحدة والترابط
والمشاركة والتمجيد بين الآب والابن والروح القدس لذا فلا نتعجّب ونتحيّر في سبب
وجود الحب ولكن ما يحيّرنا بالأولى هو سبب حب الله لنا بل وسبب خلقنا، هذا إيماننا
أن الله مُحِب ورحيم ولكن في ذات الوقت سيّد وديان وعادِل وعدله يمتزج برحمته وهذا
ما ظهر في أروع صورة في الصليب حيث رأينا هناك إلتقاء الرحمة والحق. ولكن دعونا
نرجع لسؤالنا الحقيقي هل في الحب قوة؟
لا يجيب على هذا السؤال إلا من اختبر الحب
وعاشه ويستمتع به كل يوم من منابع الحب الإلهي ولا يبخل بغنى هذا الحب على البشرية
ونفسه وحتى أعداءه. فعندما أحبنا الله خلقنا لنشاركه في الحب الذي فيه منذ الأزل
وميّزنا بالمشاعر والعواطف لندرك إحتياجنا للحب ونختبر تمتّعنا بالحب الحقيقي منه
ونستعمل هذا المخزون الطبيعي فينا من المشاعر والأحاسيس والإنسانية في قبول الآخر
والغفران وعمل الخير والزواج والإهتمام بحاجات الآخرين النفسية والمادية، فمع
إدراكنا لسقوط البشرية وعجزها وفسادها نرى بشكل واقعي مدى إنطباع ذلك في علاقاتنا
الأفقية بالبشر وبالكائنات الأخرى وعلاقتنا الرأسية بالله في كياننا الروحي فنرى
ونعاين خراب ودمار وإنفصال حقيقي عن الله بالخطية والكبرياء وأدى ذلك لإنفصالنا عن
الناس وعدم التواصل بحب معهم. ولكن تظهر قوة الحب الحقيقية في أفعال الحب بل وفي
نيّاته فالمُحِب يحب بإرادته وقبل أن يريد كان في نيّته فعل ذلك بغير شروط وإذا
شارك الحب وقدّمه سيقدمه بلا حدود وهذا ليس في مقدرتنا البشرية بأنفسنا بل في
إتصالنا بالله والتغذّي والارتواء من منابعه الغنية يوماً فيوماً، وظهر هذا الحب
الغير مشروط لنا في أعظم قصة حب في الوجود وهي قصة التجسّد الإلهي وتأنس الإله
فجاء يسوع وعاش بيننا وتألم معنا وشاركنا في الضيق والمعاناة وأحب الخطاة وكان يأكل
مع الزناة والعشارين وقبل اللصوص والمذنبين وكانت دعوته للمتعبين والجياع والعطاش
والحزانى فطوّبهم وأشبعهم ورواهم وأراحهم روحياً وهذا هو احتياجنا الحقيقي فهو
احتياج روحي بالدرجة الأولى واحتياج للحب فقد خُلِقنا ولدينا شوق لحب وقبول غير
مشروط وفراغ لم ولن يملأه إلا الله وحده وهذا يذكّرني بأول سؤال سأله الله للإنسان
في بداية التاريخ بالكتاب المقدس وهو: أين أنت؟ وسأله هذا السؤال بعد أن سقط في
طاعته لوصايا الله والخضوع لسيادته فالخضوع هو أحد أفعال حبّنا الله لأن الذي
يحبّه يحفظ وصاياه وهي ليست ثقيلة، فالله يبحث عنك حتى إذا عصيته وأذنبت في حقه
وبعدت عن دربه، تذكّر بأن باب التوبة مفتوح لك ولي ولكن لحين فتُب وارجع لحضنه
وتمتّع بحبه.
كان في حبّه قوة لأنه أشبع حاجتنا الحقيقية
والرئيسية ولم يكن الحب فيه مجرّد صفة، كما قلنا، بل هو طبيعته، وقوّته تظهر في
أفعال الحب التي فعلها، فكل ما يفعله يفعله بحب، فهو الذي خلقنا على صورته وفدانا
بنعمته وقام بقوة قيامته ويخدمنا بشفاعته، فهل في هذا ضعف؟ ومن غير الله الذي يقدر
على فعل تلك الأفعال العظيمة؟
الحب أقوى لأنه شخص، وهو الله.
الحب أقوى لأنه ظهر، في تجسّده.
الحب أقوى لأنه يُختبَر، في الحياة مع المسيح
بمعرفة روحية إختبارية.
فهل في الحب قوة؟ نعم، لم يفعل الإله المُحِب
شيئاً من أفعال الحب خارج إرادته وسيادته ومقاصده، تذكّر بأن حتى فداءنا بنعمته
كان في فكره منذ الأزل، لذا نحن نخجل أمام قوة حبّه التي نختبرها وتغيّرنا من أناس
أعداء لله وللبشرية لمحبّين لله والبشر فنعرف الله وأنفسنا ولا نكره أحد وبهذا
نختبر ما أوصانا به المسيح: أحبوا اعدائكم، فإن كان نحب الذي يحبوننا فأي فضل لنا،
الحب الحقيقي يظهر بدون إصطناع وبلا شروط وبغير حدود كما ظهر في الحب الإلهي لنا،
فدعونا نختبر ونستمتع بحبه ولا تغيب أعمال نعمته وقوة محبّته عنّا فننتصر على قوى
الظلام والشر والكراهية والعنف والقتل والإرهاب والطائفية والعنصرية.
الله محبة، ومن عرف المحبة يحب الله ونفسه
وقريبه وحتى عدوّه.
الحب أقوى!