في صباح اليوم كنت أشاهد أحد الحلقات المُعادة لـ طوني خليفة الإعلامي اللبناني في استضافته لـ فريدة الشوباشي وأحد شيوخ الأزهر، وما أثارني وجعلني أشاهدهم هو رؤيتي لمشاجرة بينهم بصوت عالي وكان "طوني" فيهم متفرّجاً هادئاً!
وايضاً بعد متابعة تصريحات الاستاذ شريف الشوباشي والمناداة بـ مليونية خلع الحجاب وما نشره زملائي ومن اتابعهم بالصحف والتواصل الإجتماعي عن هذا الموضوع جئت اليوم لأكتب لكم خلاصة ماتابعته وما أؤمن به والسبب وراء هذه الدعوات بل والتصريحات والانتقادات والافتاءات.
عندما تنظر للأديان وتدرك بأنها بشرية في أصلها ومرجعيّتها ستتعامل معها بعقل نقدي دون أي خطوط حمراء ودون استسلام للظلمة والجهل أو استناد على الشك أو اللا أدرية بل السير بعقل عامل وبقلب نقي صادق وبنفس متضعة بسيطة وبروح مسكينة خاشعة وبذهن يتجدّد يوماً فيوماً. كما أن وعيك بالفرق بين الدين والعلم سيغيّر مداركك ومفاهيمك حول الحياة وحول تناولك المواضيع والأفكار العلمية والدينية وستعرف وقتها الفرق بين المطلق والنسبي والثابت والمتغيّر والحق والباطل، بالاضافة لعدم اكتفاءك بالدليل الإمبريقي(المُدرك بالحواس) فقط لإثبات نظرية أو قانون أو شيء ما ولكن بإيمان يرفض الخوف والعمى والجهل والسطحية والتعالي والغرور والأصولية. لذا في هذا العصر الذي نحياه نحن أمام ظاهرة جديدة قديمة تجعلك متفائلاً في ظاهرها ولكن تصيبك بالتشاؤم واليأس في باطنها، فالانتقاد والتفكير والتساؤل اليوم ظاهرة صحية سليمة لعقول تعمل ولا تستسلم للكسل والجُبن ولكن ما يستدعي التشاؤم هو ردود أفعال المتديّنين والأصوليين عليها. وإذا تناولنا قضية كالحجاب علينا أن نرجع لتاريخية هذه الظاهرة ثم نتناول الجذور النصيّة والفكرية لها ثم ندرس تطبيقها الشرعي والواقعي والجغرافي في كل مكان و زمان مع رجوعنا ايضاً لاراء منتقديها ومعارضيها والتعمّق في الاهداف والنوايا والنتائج العملية على أرض الواقع.
ولكن أنا هنا ليس بصدد الحديث الفقهي والتاريخي ولكن سأكتب باختصار عن السبب وراء الدعايا الأخيرة لخلع الحجاب و رأيي الشخصي في ظاهرة الحجاب وما نحتاجه في مجتمعنا في هذه الأيام.
أولاً. كل واحد حر في طريقة اعتقاده وعبادته وطقوسه وفرائضه وممارسة شعائره
ثانياً. كل واحد له عقل لابد أن يُعمِله فيراجع أفكاره وإيمانيّاته، وله ضمير ليراجع نواياه وطرقه وسلوكياته
ثالثاً. كل واحد له حق في البحث والنقد والشك والتساؤل والتفكير ببساطة واتضاع واخلاص
رابعاً. كل واحد عليه احترام الآخر بل وقبوله والاستماع والتعلّم من آراءه وأفكاره وحتى انتقاداته
خامساً. كل واحد لابد إذا إستنار و اقتنع بأفكار تتناقض مع أفكاره التي تهذّب عليها وآمن بها عليه أن يغيّرها وإذا آمن بها عليه أن تنطبع هذه المباديء والأفكار على سلوكياته وحياته بأكملها فيكون بذلك شريفاً كما كتب جيفارا مسبقاً.
سادساً. كل واحد لابد أن يدرس بعمق ما يؤمن به ولا يسعى لتبرئة عقيدته في أي وقت بل أن يفحص الرأي والرأي الآخر ويستمع لكل وجهات النظر والأقوال والكتابات ويسمح للنور أن يخترق قلبه وفكره فلا يمشي مرة أخرى في الظلمة.
سابعاً. إذا اقتنعت بأشياء ضد أي فكرة أو عقيدة فلابد أن يكون لك ضمير صالح فلا تسخر من عقائد الآخرين ولا تسيء إليها أو تكفّر من يتبعونها بل تقبل كل إنسان حتى لو كنت لا تقبل فكرته.
بعد تلاوة هذه المباديء، أؤمن بأن الحجاب هو مجرّد ناموس وطقس إٍسلامي وكما نرى في التاريخ نعرف أنه جديد على المرأة المصرية حيث انه نُقل لمصر في السبعينيّات (تقريباً لأغراض سياسية) وأصفه بأنه نقلة ثقافية وليست دينية، مع احترامنا لمن يرتديه ويؤمن بنصوصه.
أرى في الحجاب سعي دائم لكل إنسان، وليس للمرأة فحسب، نحو تطهير النفس وتجديدها ونقاوتها وعفّتها ولكنها جهود ظاهرية وقتية زائفة خارجية ليس لها أي علاقة بداخل الإنسان أي قلبه ونواياه وأفكاره، كما أن الحديث على أنه وسيلة لضبط انفعالات وشهوات الرجال فالتطبيق العملي يتناقض مع ذلك فتتعرّض المرأة المحجّبة وحتى المنقّبة الى التحرّش الجنسي مثلها مثل المرأة التي لا ترتدي الحجاب والنقاب، مع احترامي لمبدأ الحشمة في الازياء والملابس حتى تتناسب مع ثقافة المجتمع والأماكن التي نزورها ونسكن بها، كما أن النداء والدعوة وراء خلع الحجاب في مليونية بميدان التحرير أرى فيه اتجاه ثوري ومبادرة رائعة لإعمال العقل والتفكير في كل ما نعتنقه ونؤمن به وهذا ليس معناه رفض مبادئنا وإيمانياتا بل مراجعاتها والتفكير بها بعقولنا التي منحنا إياها الله وبقلوبنا المخلصة في البحث عنه ومعرفته ومعرفة الحقيقة، فطوبى لمن يعرف الحق ويؤمن به ويسير فيه ويشهد عنه، و ويل لمن يسير في الظلمات مستسلماً في الجهل غارقاً في الأصولية تائهاً في العمى والجبن والكسل وقد يلجأ أحياناً للعنف وقتل من يعادوا أفكاره وتكفير من لا يؤمنون بما يؤمن به، فالذي يسير ويعرف الحق لا يخشى أي دعوة للتساؤل والشك والنقد بل يسعى للبحث عن إجابة حقيقية واقعية عملية اختبارية للرد على كل من يسأله عن اعتقاداته بروح الوداعة، فإن كنت تخشى وتضطرب وتمارس العنف والتكفير وراء كل من يسأل ويفكّر ويناقش وينتقد أو تسخر به فعليك مراجعة نفسك وأفكارك سريعاً قبل أن تصير إرهابياً قتّالاً لا تعرف الشرف والأمانة والأصالة بل ولا تعرف الحق والنور والخير والحب والسلام والفرح.
الحق يُحرِّر!