في رحلة لصعيد مصر في مراهقتي، ذهبت لأحد
القرى البعيدة المغمورة، كنت انتظر واتلهّف للقاء ابنائها وشعبها واعرف احوالهم
واحاول أن اساعدهم إذا استطعت ولو بابتسامة وكلمة طيّبة تشجيعية، وتشجّعت في ذهابي
لهم بأحد العربات البسيطة القروية بأنه رافقني أحد الاصحاب القريبين منّي والذي
يشّجعني ويرشدني دائماً ويحلو لي الحديث والشركة الروحية معه، وعند وصولنا تفاجئنا
بعدم وجود أحد في انتظارنا بالرغم من علمهم بمجيئنا، ولكن لم تصيبنا خيبة الأمل
لأننا جئنا لنزور أهل القرية ونخدمهم ونشجّعهم ونفتقدهم ونرسل لهم رسالة حب ورجاء وأمل،
لذا ذهبنا لاستراحة المكان المُضيف لنا مباشرةً وعند وصولنا سألنا صاحب المكان عن
أهل القرية، فقال انهم مشغولون حتى السادسة م تقريباً في الزراعة في حقولهم،
فذهبنا للاسترخاء والراحة لمدة ساعتين ثم اتجهنا لطرق أبواب بيوتهم بعد عودتهم إلى
منازلهم من عملهم الشاق، وفي كل بيت تفاجئنا بكرم الضيافة والترحيب والحب العملي
بالرغم من تعبهم وانهماكهم الفكري والجسدي وربما الروحي، والعجيب في الأمر انه لا
بد أن تشرب كوب من الشاي الصعيدي لدى كل بيت!
وفي أحد الأمسية جلسنا معهم للترنيم والصلاة
والمشاركة بكلمات الكتاب المقدس ورسالة الإنجيل، وتقابلنا مع الشباب والأطفال
لتشجيعهم ومشاركتهم في اللعب والنقاشات والحوارات التي تخص أعمارهم واحتياجاتهم،
وكنّا نذهب كل صباح للحقول لإلقاء التحيّة على أهل القرية وكل عامل يعمل بكد
وجديّة لغرس و ري النباتات وانتظار الحصاد، وتعلّمت من كفاحهم وتبكيرهم في
الاستيقاظ والعمل الجاد الشاق واحتمالهم لضغوطات الحياة وحبّهم العملي وبساطتهم
الشديدة في طريقة العيش واسلوب الحياة، ولن ننسى كلماتهم الطيبة وحبّهم النقي
الشفاف الصريح لله ولوطنهم وكل من يجاورهم حتى من هم من عقائد وأفكار أخرى.
وفي أحد الأيام زرنا أحد البيوت، وشربنا
كالعادة الشاي الصعيدي الرائع، ثم بدأنا النقاش مع أهل البيت بأكملهم من الصغير
حتى الكبير، وكان يجلس بجواري رفيق الرحلة وأحد أهالي القرية الذي يرافقنا لزيارة البيوت
وافتقاد أهل القرية، فأخذ يتكلّم عن أهل البيت والأب الموجود معنا رب الأسرة،
وحدّثنا ان هذا الرجل، رب هذا البيت، قدّم بيته القديم لأهل القرية كي يكون كنيسة
ومكان للعبادة لهم والشركة الروحية وتشجيع الكل على دراسة الكتاب المقدس والاهتمام
الروحي بالأطفال والشباب وكبار السن،بجانب الاهتمام الحياتي العملي باحتياجات
المترددين على المكان، فتأثّرنا بما فعله هذا الرجل، وكان يحدّثنا بأنه كان لا
يملك هذا البيت الذي نزوره فيه الآن وقت تقديم البيت الآخر بالمجان لأهل القرية،
لكنّه ابلغنا وشجّعنا بإكرام الله وإحسانه له في عمله وفي طريقة امتلاكه لهذا
البيت الجديد المتسع الرائع، واستمتعنا مع أهل البيت كله بالترنيم والصلاة
والإرشاد الروحي والنفسي، ولكنني لا ولن أنسى هذا البيت إطلاقاً، فبالرغم من عزمي
ونيّتي وذهابي لخدمتهم إلا انني قد تعلّمت وخُدِمت منهم بمحبّتهم العملية لله ولكل
من حولهم وظهر ذلك حتى في تضحيّتهم وعطائهم غير المحدود وعاينت واختبرت عظمة الله
في تسديد احتياجاتهم وإكرامه المادي والروحي والنفسي لهم، بجانب خدمتهم الرعوية
وتحملهم المسئولية الروحية هناك بالكنيسة وتثقّلهم بالنفوس المُتعبة والجائعة
والعطشانة لكلمة الحياة ونعمة الله والحب الإلهي والغفران الغير مشروط والمصالحة
مع الله، فتعزيت جداً وتشجّعت هناك بهذه الرسالة الحية وبصوت الرب لي بأنه لا يترك
نفسه بلا شاهد في أي مكان، وانه يعمل حتى لو تكاسل وتراخى المؤمنين، وانه حي ويُحيي
ويُقيم الموتى بالذنوب والخطايا لذا علينا أن نعمل معه فهو يرسل فعلة لحصاده
والحصاد كثير لذا علينا أن نعمل ونتعب لأجله بحب وبدعوة خاصة وبمشغولية بكل نفس
نتقابل معها وتسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا. وعلينا في عملنا معه وخدمته أن
نضحّي بالوقت والمال والجهد لأجله طوعاً واختياراً وحباً له.وهو الذي يُنمي
ويشجّعنا بالحصاد والثمر المتكاثر وسنُعطى حساباً عن أفعالِنا ونيّاتنا ودوافعنا
وسلوكياتنا فعلينا أن نصحو لكي لا نخجل عند مجيئه.
تعليقات
إرسال تعليق
شاركني تعليقك و رأيك فيما قرأت , رأيك مهم جدا I need your Comment!