بعد غياب طويل عن الكتابة التلقائية البحثية،أعود لكم اليوم بعد اتصالات ونقاشات ورسائل واسئلة عبر مدوّنتي وحسابي على فيسبوك وتويتر وآسك تحثّني على الرد بل والبحث في ما يحيّر الناس بخصوص وجود الله ومعاملات الله وتدخّل الله وعدله ومدى استجابته للصلاة،ولست ههنا للدفاع عن الله أو الانسان،ولكنّي سأجمع بين المعرفة الروحية الاختبارية وقبلها المعرفة الكتابية المحدودة لديّ بجانب اقتباسات واراء بعض الكُتاب والمفكرين والباحثين في هذه الأمور الشائكة الصعبة.
واليوم سنتناقش بتلقائية دون اجابة واحدة ونمطية عن أحد الاسئلة،ارسل لي أحدهم واتصل بي قائلاً:
"لماذا يختفي الله في هذا الزمان،لماذا يحجب وجهه عن طالبيه،لماذا يترك المجاعات والحروب والكوارث الطبيعية تزداد وتنتشر بلا رحمة وتدخّل مرئي واضح،لماذا لا نستمع لصوته بوضوح كي نعرف مشيئته،ولماذا لا نرى رؤيا واضحة منه وخطة لحياتنا كي نسلك فيها،ولماذا لا نجد اقتران واقعي وتطابق بين كلمته والواقع الحياتي العملي اليومي وبالأخص وعوده ومعاملاته مع الشعوب والأفراد في العهد القديم والجديد؟"
اعتذر مرّة أخرى للإطالة في المقدّمة وشرح السؤال الحواري الذي أُرسِل إليّ وطُلِب منّي الكتابة والإجابة عنه،لذا دعونا نتناقش بتلقائية واختصار ومنطقية وعن اختبار:
لم ولن نعرف الله بالعقل،فالعقل يرى ويتعامل مع المنظور،بل بالإيمان،والإيمان هو ثقة ورجاء ويقين،ولكنّ الإيمان لا علاقة له بالمرئيات والمنطقيات،بل هو فوق المنطق،ولا يقبل الجهل والعمى الروحي،وايضاً لا يعرِف التكاسل والعناد بل البساطة والإتضاع والإخلاص في البحث عن الحقيقة.
لذا نحن نتعامل مع الله بالإيمان،وفي نعمته أجزل لنا الإيمان لنعرفه ونؤمن به ونتكل عليه،ليس بمجرّد إيمان بوجود شيء بل بالتعامل مع إله شخص،كائن عاقل وحكيم،سيّد ومصمّم،خالق وفاعل،وهذا يتنافى مع الإيمان بقوّة أو كائن أو شيء مخلوق،ولم نكتسب ذلك بمعرفة نظرية علمية أو بقدرات عقلية فردية بل بالولادة الروحية بالروح القدس(روح الله) وإعلان كلمته(المُوحى بها من الله أي أنفاس الله)،ولابد أن نفهم ونقتنع بأن هذا الإله الذي آمنا به لا يعرف النمطية والتقليد والتكرار بل إله رائع ومبدِع لذا لا يجب أن نؤمن بتكرار نمطي لمعاملاته في القديم معنا،ولكن معاملاته وأقواله كُتبِت لنعرف شخصيته وسيادته وحكمته ووجوده وتوقيته وقوّته وفعله الرهيب عبر التاريخ فهو يصنع التاريخ ونحن نصنع الأحداث،بل وايضاً لا يجِب أن نتخذ وعوده ونتمسّك بها في أمرِ ما كالارتباط والإنجاب والزواج والشك والاحتياج ونُجبِره أن يكرّر نماذج ويفعل أمور ليست في أوقاتها بل وليست في محلّها،فهو لا يتغيّر ويبقى أميناً لكن ليس إلهاً نمطيّاً،ولا يفعل ويحب ويستجيب بشروط،لكن في كمال صفاته الأصيلة المطلَقة لا يقدِر أن ينكر نفسه كما أن رحمته لا تتعارض مع عدله،وتعلّمنا من كلمته أن سيادته على الكل وهو المتسلّط في مملكة الناس ودستوره الحب والعدل، ويستمع ويستجيب لصراخ المسكين(الذليل والمحتاج له،المنكسر القلب،والمنسحق الروح)وفي وقته يُسرَع به،ونرى كل يوم وعبر تاريخنا المعاصِر أن له في الموت مخارِج ويستطيع أن يشفي ويحيّي وأعظم معجزة يفعلها هي خلاص وفداء ورجوع النفس له بتوبة وإيمان معترفة له بفسادها وخطيّـتها واحتياجها للمحرّر والمخلّص والفادي الحقيقي الوحيد الذي مات لأجلنا وقام،وكل شيء مستطاع للمؤمن،وعند الله كل شيء مستطاع،لذا فلا يجب أن يقل وينعدم إيماننا،وايضاً لا يجب أن يكثُر شكّنا في معاملاته وقدراته فنبتعد عن التعلّق به والتمسّك بكلمته التي تخبرنا عن صفاته وعمله وقداسته ولا محدوديّته وسلطانه وسيادته وحكمته في كل شيء،فالذي وعد الاباء قديماً هو أمين،ويسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد،فلنبتعد عن المقارنات البشرية،والشك المبالَغ فيه الذي قد يؤدّي إلى انحدار روحي وسقوط من الثبات بل والنمو في نعمة الله ومعرفته،متذكرين كلمات الاغنية الروحية القائلة بالعاميّة:
"لو تأنّى يستجيب .. منصفاً لمُختاريه"
فبدون الله وكلمته لا نعرف معنى للحياة،ولا يشفي ويشبع العلم مهما كان أو تطوّر فهو مجرّد وسيلة مشروعة لمعرفة الكيفية والطريقة في مصدر الاشياء وفي اكتشاف اشياء بعقولنا لخدمة البشرية وهذا أمر جيّد لكنه لم يجيبنا بشيء عن الرغبة الكامنة داخل البشر للبحث عن المطلق ومعرفة ما وراء الاشياء والطبيعة والايمان بإله شخص فعل كائن عاقل علاقاتي يحب البشر ويعمل كل الاشياء لخير الذين يحبونه والمدعوون حسب قصده.
فلنطلبه مصلّين،ولنتضع أمامه خاشعين،ولنجدد ثقتنا وإيماننا وتمسّكنا به ونحن مقتنعين بمحدوديّتنا وضئالة معرفتنا،ولنسلّم كل الأمور له،ولا مانع كي نناجيه ونناديه ونبكي ونصرخ أمامه طالبين وجهه كما صرخ أيوب في تجربته وألمه،وكما صرخ داود في ضيقه وكربه،وكما صرخ بولس من أجل الصراع الروحي وشوكة الجسد وظلم البشر من حوله وآخرين كثيرين ومنهم معاصرين،
فلنصحّح كل مفاهيم مغلوطة مشوّهة بنور كلمته،ونؤمن بما جاء عنه فيها،ونفهم كل يتعامل الله مع البشر في مختلف العصور،ونطلب تدخّله في أمورنا وظروفنا وحياتنا الروحية الضعيفة التي تعاني من الكلل والملل وقد نكون وصلنا لفتور روحي أو سقوط أو نوم روحي عميق،فهو قادر أن يوقظ ضمائرنا،ويرجعنا إليه،ويعيد الاشواق اليه والى مجيئه والرجاء من جديد،فنحيا به وله ممجدين اسمه مستمعين بحضوره ومختبرين أمانته وحبه وعدله في كل أمور وظروف حياتنا،فلا تموت حواسنا يوماً عن الذهول والتأملّ،ولا تمتنع وتغلق الشفاه يوماً عن الحمد والتسبيح والامتنان له.
الرب قريب.
تعليقات
إرسال تعليق
شاركني تعليقك و رأيك فيما قرأت , رأيك مهم جدا I need your Comment!